16/02/04


هيمت في دفاتره الشعرية
في الثناء علی ما يتبقی من الشعر

 

  1. يرتبط الرسم لدی هيمت ( وهو الأسم الذي عرف به الرسام العراقي المقيم في باريس هيمت محمد علي) بتقنيات روحية، شديدة الغموض. هذه التقنيات حالت بينه والدرس المدرسي، فكان الرسم بسببها تجسيدا لنزهة نزقة في الهواء خارج التعاليم النظرية الصارمة التي تفترض وجود نوع من التسلسل المنطقي، تحتكم اليه التحولات. نشأة هذا الرسام الأولی تشير الی نوع من الضلالة يفسرها مفهومه لفعل الرسم بصفته استدراجا لخيال اليد لا لبداهة العين. وهو في ذلك انما ينصت الی مقولة النحات ) برانكوزي (:يداك تفكران وهما تتبعان المادة. لقد نشأ هيمت فنيا خارج حدود الرسم، مستلهما تقنيات روحه التي منعته من الاقتناع بحتمية ان تكون الصورة قناعا نهائيا للشيء. لهذا فقد اتخذ الشيء المرئي بالنسبة شكلا ثلاثي الأبعاد: صورته والكلمة التي تعبر عنه ومعناه. هذه الحيرة جعلته يكتشف في الشعر الذي التقاه صدفة مصدرا مقاوما من أجل الاعلاء من شأن الصورة المضادة. الصورة التي لا تقتفي أثر الشيء ولا تثني علی تجلياته ولا تستعيد مباهجه ولا تحيل اليه، بل تنفيه وتنكره وتقتص منه وتتقصی احتمال تلاشيه. قد تكون الصدفة التي أعنيها هي التعبير العشوائي عن القدر. لقد قاد القدر هيمت الی لقاء ثلاثة شعراء كان كل واحد منهم بالنسبة اليه بمثابة تفاحة نيوتن: ) لقد وجدتها(. وهو حقيقة قد وجد كل ما يدعيه من القول صامتا، وكل ما يرتجي فعله كسولا وكل ما يأمله مخيبا في أفعال ورؤی الشاعر العربي أدونيس والشاعر الفرنسي أندريه فيلتر والشاعر الياباني كوتارو جنازومي. وكان قد رافق هذا الآخير الی الموت في معرض استثنائي قد يكون بالنسبة لذلك الشاعر كما أتوقع ضرورة حياة وتعويذة يأنس اليها في مرحلة ما بعد الموت. وهيمت حين يذكره لا يفصح الا عن حزن شفاف، هو الحزن الذي يفرضه فراق مؤقت. كما لو أنه يستجيب لقصائد الشاعر. تلك القصائد التي تمجد حياة لا يدنو منها الموت إلا من أجل تأكيد استمرارها بهيأة أخری . ولهذا يمكنني القول أن الشعر لم يكن ملاذا لهذا الرسام، لم يكن وسيلة اثراء، يقتنص من خلالها صورا خانتها العين وأسرتها الكلمة. كان الشعر بالنسبة اليه هو الحياة الكامنة كلها. جملته الناقصة التي لم يقلها. فهيمت الذي يعيش في باريس حياة متقشفة يعرف أن الشعر هو ما يزيده تعففا وزهدا. من خلاله يهتدي الی الانفاق التي تقوده الی قديسيه والی رعيته في الآن نفسه. هذا الرسام يری في الشعر عودة الی حياته البرية، تلك الحياة التي فا رقها من غير أن يخترق تفاصيلها. إن الشعر يعود به الی سبب نفوره من كل ما يحجر علی حريته ويصادر قدرته علی الذهاب بعيدا. يری بعيون شعرائه الطفل الذي كانه والذي حرم لذائذه وهو ينعم بترف وهمي. خربشاته التي يلهمها انخطافه بالشعر تكشف عن ولعه المستميت برغائبه الطفولية التي لا تزال طرية.
     

  2. دفاتر هيمت الشعرية هي مكائد منصوبة في طرقات غير مرئية. فمثلما يقرأ هذا الرسام الشعر يرسمه. في الحالين ينأی ) القارئ والرسام ( بهدفه بعيدا عن المعنی. ذلك لانه لا يری في الكلمات أقفاصا بل يرتادها بصفتها حقولا ممتدة، حقولا تطلق حواسه من مكامنها. تفعل الكلمات بالنسبة اليه فعل المحفز لا فعل الموجه. وهو في ذلك إنما يستجيب لجوهر الشعر بصفته معادلا غامضا للوجود. وبشكل أساس فانه يستلهم الخفة التي يصدر عنها الشعر في اتصاله بوقائعه. تلك الخفة التي تبوح بها الكلمات من غير أن تعلنها، تتمری بها من غير أن تظهرها، تتماهی معها من غير أن تكون قادرة علی استعراضها. وهذا ليس يسيرا، إذ أنه يتطلب بشكل رئيس نوعا من التحرر من الشعر، كونه فعلا مقيدا بالكلمات المقيدة هي الأخری بمعانيها. وهو ما فعله هيمت حين أختار أن يزاوج بين أيقاعين مصدرهما واحد، هو الكلمة داخل الشعر: الايقاع الأول يصدر عن الجرس الذي يصدر عن اصطدام الحروف والكلمات، بعضها بالبعض الآخر اما الثاني فيصدر عن الشكل الكتابي الذي يتخذه الحرف حين يفارق كيانه المفرد فيزيح الهواء الذي يفصله عن الحروف الأخری التي تجاوره ليكون جزء من عمارة شكلانية جديدة. هذه المزاوجة الايقاعية وقفت حائلا بين هيمت والخوض في التيار الحروفي. ذلك لان جرس الكلمة في الشعر قد وهبه القدرة علی أن يری الحروف والكلمات في غير محلها. فهذا الجرس المستلهم أصلا من الفراغ الذي يحيط بالحرف والكلمة علی حد سواء والذي يتقن الشعراء وحدهم امكانية تفجيره يقف بالحرف في مواجهة مصير شكلاني متغير، بالمعنی الذي يهبه امكانية الخلاص من شكله الثابت. وهو ما رأی فيه الرسام هيمت فرصة لعصيان المفهوم التصويري للحرف،بصفته كائنا مجردا من الحياة. ذلك لان رسومه تقيم في لحظة العصف التي تنشأ بسبب التصادم بين الحروف أو الكلمات. تلك اللحظة التي يعبر عنها كل اقتراح شعري أصيل. يمكننا والحالة هذه الحديث عن فتات تصويري تدعمه الموسيقی. من هذا الفتات صنع هيمت عالمه الفاتن. ومنه استعار تقنيته في صناعة صوره التجريدية، التي يدعم بعضها البعض الآخر في الذهاب الی نوع صاف من الارتجال الموسيقي. فهذا الرسام لا يصنع مشهدا يستعير كماله من وحدته بل أنه يعيد الكمال الی فكرته، اجزاء يستدعي بعضها البعض الاخر ويلتحم معه لغاية في نفس الرسام. الفتات الذي يخلفه الشعر ينتج أجزاء تصويرية متناثرة هي ما تشكل المادة الأولية التي يستعملها الرسام هيمت بدهاء ومكر لانتاج صوره. وهي صور مجازية تعبر عن ما يخفيه الشعر من فوضی. تلك الفوضی التي تستلهم هذيان الحواس، وهنا بالضبط يقيم هيمت مكائده. فالصور التي ينتجها هي التجسيد الأمثل لمفهوم الكثافة المضادة. ذلك لان صوره المكتظة لا تكشف عن واقعة مرئية بعينها، بل انها تكاد لا تشي بمرجعيتها علی مستوی التماهي مع الواقع، بقدر ما تسعی علی أن تثير في العين أسئلة لم يستطع الخيال التصويري اللحاق بها. يمكنني القول هنا: إن هذا الرسام استطاع أن يلتقط نوعا شفافا من الكثافة لا يمكن اقتناصه الا عن طريق الشعر.
     

  3. صلة هيمت بالشعر ليست صلة قراءة مكتفية بالنص. الشعراء الذين استلهم قصائدهم رسما هم أصدقاؤه. وكما يبدو لي أن هذا الرسام يجد سحرا خاصا في معايشة الشعراء يدفعه الی تقصي حقيقة الوقائع الخيالية التي تستند اليها شخصياتهم. في رسومه هناك قراءة للشعر وللشاعر في الأن نفسه. كما لو أنه وهو يقف في حضرة الشعر يمارس دورين: دور العراف الذي يقرأ الغيب ودور المتلقي الذي ينوء بثقل المرئيات. فهو يمزج البصر بالبصيرة ليستخرج عصارة تجربته: الشاعر مرئيا. الرسام هنا لا يضع الشاعر في مواجهة قصائده بقدر ما يسعی الی الكشف عن حياة يتقاسمها طرفان: الشعر والشاعر. رسومه تتغذی علی مفارقة تنشأ في اللحظة الحرجة، تلك اللحظة التي يكون فيها المرء شاعرا ولا شيء آخر. وهي اللحظة ذاتها التي تزيح الكتابة عن طريقها كل فكرة تقف بينها وبين الشعر. لحظة استفهامية عاصفة يسعی هيمت الی اعتراض طريقها، لتسيل رعودها وبروقها ورحيقها وهشيمها علی سطوح لوحاته. فما نراه علی تلك السطوح ليس الشعر بل حساسيته. تلك الحساسية التي تمعن في الفرار والضلالة والاختباء والانعتاق والتململ. واذا ما كان النص بصفته مادة كتابية أحيانا يعيق هذه الحساسية من الوصول الی غايتها فان هيمت من خلال رسومه يسعی الی تكريس ذلك الوجه الشائك والملتبس من وجوهها. بل أنني غالبا ما أراه ساعيا الی التشبه بها، من حيث قدرته المرحة علی ان يطعم عيوننا لذة الاكل من غير أن يكون الطعام في متناول أيدينا. وكما أعتقد فان الشعراء مع هيمت يشعرون بالراحة لما تتضمنه رسومه من اثارة للمعان الحساسية الذي تسترت عليه قصائدهم. رسوم تعيدالی شفاههم رعشة القول والی أصابعهم شغف الكتابة في أشد حالاتها سرية وحميمية. فهي تتسكع بهم علی حافات الظلال التي تسربت من بين أقدامهم من غير أن يتمكنوا من القبض عليها. وكما أری فان هيمت أكتسب من الشعر الكثير من العادات التي وجدت طريقها الی الرسم: الخفة التي لا تعيقها كثافتها عن التحليق، الوحدة التي لا تنقضها الاشارة الی الاجزاء، التنقيب في ما هو خام بالرغم من الابهار الشكلي الخارجي الذي يكشف عن اتقان مهني حاذق، فوضی المشاعر وهي تستعرض قابليتها علی التماهي مع نظم شكلية متعددة عن طريق استدراجها، ثم بعد كل هذا اللوحة التي تومئ بمرارة ولوعة الی ما لم يرسم منها بعد، حيث يهتدي الرسام من يعدها الی الرسم ثانية. وهو ما يعبر عنه فرناندو بيسوا في قصيدته ) كتبت قصائد كثيرة: (
    وعلي بالطبع أن أكتب أخری
    كل قصيدة لي تقول الشيء نفسه
    كل قصيدة لي هي شيء مختلف
    كل شيء هو طريقة مختلفة لقول الشيء نفسه
    أحيانا أری حجرا
    أعرف أنه لا يحس
    لا أغالط إذ أدعوه أخي
    وأحبه لانه حجر،
    أحبه لعدم إحساسه، لعدم شبهه بي.
    يمكن النظر الی رسوم هيمت علی أنها سلسلة، سلسلة يقود بعضها الی البعض الاخر. حيث التجريب يهب الشيء نفسه قيما جمالية مختلفة. مثلما فعلها الرسام الامريكي وليام دي كوننغ في سلسلته الشهيرة) نساء(. ما تعجز اللوحة عن قوله أو الوصول اليه تقوله لوحة أخری وتصل اليه. الرسام هنا يراهن علی ما لم يرسمه بعد، علی الكامن في خزانته من رؤی بصرية. تلك الرؤی التي لم يفلح في استخراجهابعد. وهي رؤی تظل غامضة حتی وإن تمظهرت بطريقة أو بأخری. ذلك لانها تصدر عن شغف غامض بما لم يؤسر بعد.
     

  4. يشيد هيمت لوحته، جزء بعد آخر. حريته تكمن في أنه لا يری قبل الرسم لوحته. إنها تتشكل تدريجيا. ليس الموضوع هو ما يستدعي الاجزاء الی أن تتراص، بل الايقاع هو الذي يحث تلك الاجزاء علی أن يقتفي بعضها آثر البعض الآخر، في احتفال تصويري لافت. أليس هذا ما يفعله الشاعر الحديث وهو يكتب قصيدته؟ يكاد الامر أن يكون أشبه باللعبة. هناك الكثير من العبث الممزوج بالخبرة. فالرسام هنا يقصد العبث في مواجهة البلاغة المتحجرة. أقصد بلاغة صناعة اللوحة. والرسم هنا يتخذ طابعا إفتراضيا بعد أن تخلی عن استعداده للقبول بالقوانين الجمالية التي تملی عليه من خارجه. إنه إبن بداهته التي تفتح امامه الطرق في اتجاه المجهول. دائما لدی هذا الرسام ما لم يفعله بعد. هذه الواقعة تنطوي علی نوع من الأعتراف المتبادل بعدم الانسجام بين الرسام ولوحته. هناك عراك خفي بينهما. عراك لا يفصح عنه الشكل الذي يبدو مموسقا بل تفضحه عودة الرسام الی عجينته التصويرية مرة تلو أخری. ولان الجزء الذي يرسمه هيمت هو كالبيت الشعري الذي لا يكتب الا مرة واحدة لا يمكن أن يتكرر فان تلك العجينة تظل طرية علی الدوام. طرية بما يستفزها ويحثها علی اليقظة. ولكن هل يمكن النظر الی لوحة هيمت بصفتها وحدات شكلية متتابعة، يمكن العودة بكل وحدة الی فرديتها؟ هذا ما لا يمكن توقعه. فلوحة هيمت كالقصيدة الحديثة لا يمكن الانتفاع باجزاء منها واهمال الاجزاء الاخری منها. إن الاجزاء تتداخل فيما بينها لتشكل كلا مأسورا بغنائيته. وهو كل تطعن تدفقه أية محاولة للبحث في نسبه. صحيح أن لوحة هيمت يمكن أن تری من جهات عديدة فالرسام لا يخضع عينه لمنظور بصري محدد ومعين سلفا، وهذا من شأنه أن يهب الأجزاء نوعا مضافا من القيمة غير أنها القيمة التي تخدم الكل ولا تبرهن علی الانفصال.
     

  5. ولكن هل يمكنني المجازفة بالقول أن محاولة هيمت وهو الذي رسم عشرات الدفاتر الشعرية تضعنا في مواجهة معنی مضاف لمفهوم الشعر؟ أعتقد أنها علی الاقل تحررنا من الكلمات. تدفع بنا الی الوقوف خارج المساحة الاستفهامية النسبية التي غالبا ما تكون مصدرا لسوء الفهم. تقترح لغة لما هو مطلق. لغة صافية وخالصة ونقية تستدرج كل ما هو مبهم وسري وخفي وعابر ولامع وخفيف وهي ترتجل بلاغتها في لحظة اشراق، لا يشكل الوصف الا محاولة لافسادها. يعود هيمت الی الشعر بصفته تمتمة منفصلة لا بصفته بلاغا متصلا. وهو بذلك يعيد الشعر الی مصدره: موسيقی تهب من الفراغ لتعود اليه. فالكلمات في الشعر ليست سوی ذريعة لقول ما لا يمكن قوله. اما القوانين التي تفرض علی الشعر من خارجه فهي محاولة لانكار حريته ليس الا. هيمت يسعی الی أن يقنعنا بان الشعر يقيم دائما في مكان آخر مثلما هي الحياة حسب ) رامبو ( وهو في ذلك انما يسعی الی تمجيد ما يتبقی من الشعر والثناء عليه. لوحاته تقول لنا: أن هنالك بيننا وعلی مقربة منا شعر كثير. شعر فالت، شعر يفر ما أن نسعی الی القبض عليه. شعر لا يود أن يكون فريسة. هذا الرسام يتسكع بين قصائد الشعراء الذين يحبهم باحثا عن النور الذي يملأ قلبه بالاطمئنان: الموسيقی التي نسمعها تصدر عن مطلق، نحن في رعايته هو الشعر.
     


 

فاروق يوسف

 

 Designed and hosted by ENANA.COM