يقول نحت الروح

  1. ليس نحاتاً ليقف أمام الحجر، بل موهبة تنحت الروح على بياض لا يكاد يراها حتى يتشظى، هكذا يقف الفنان العراقي المقيم في باريس "هيمت محمد علي" أمام الهواء بجرأة الوحيد، صامتا وضاجاً في آن، مصطرعاً برؤى تحتد بين عينيه لتتقد وهي تغادر بصيرة نافذة، تتمثل في ناصية عينه الثالثه القادرة على رصد كل هذا الفراغ الأليم.

    كل مرة أقف أمام لوحة للفنان "هيمت"، أشعر برجفة شديدة الهدوء تحتل هالتي، وتتقدم ببطء لتحتل حواسي، ثمة طاقة تعبيرية غالية، تسبر الذات عند مغادرة اللوحة المحتدمة باللون، طقس المزج، تمارين الخطوط ، أسرار الرموز، أشارات الخوافي العديدة المتشاكلة في مساحة تثير رعدة الروح.

    عندما اخرج من القاعة، أكون محملة بثقة التجربة الفنية التي اذهلت مداركي، وأنا احيل التأويل على المعنى وأتعثر برايات الرؤى والحكمة الكامنة.
    تقدير الموهبة لدى "هيمت" تتمثل في تصديره لعمل فني يتعالى بمستوياته التعبيريه، زيوت صارخة أو هادئة تمتزج بزوايا متناهية الرحابة، حرية تسند اللون وهو يفجر خوافية وصمته، نشهد انحناءات وإلتواءات لخطوط هندسية متماهية بصيرورتها الغامضة، تلك الرموز أو الثيمات تشكل اشتغالات هيمت المتفردة، حيث لا تتكرر الرموز بل تتحول كلما حدقنا في نواياها، اللوحة لديه لا تفسر أو تكتشف، بل تشاهدك لتراك، بمعنى أن تقف أمامها كالأسير، وتدعها تعالج روحك، تطيب خواطرك بطاقة تعبيريه رؤيويه فاتنة، لوحه تعتمد على الذبذبات التي تخلقها الألوان الممزوجة بنبضه حين ترتجف نهايات الاصابع، الأضواء الحاره المتصاعدة من أنفاسه حيث يتلو آهاته، والمعنى المشتق من قلبه الوحيد الواحد.
     

  2. عندما كتب أدونيس"رسالة-غيمة" معبراً عن قراءته للوحات "هيمت"، كان يتهجى ما يراه:
    "مرة، فيما كنت اتأمل أحد اعمالك ،شعرت كأنني اتشرد محمولا على غيم آخر ـ غيم اغواد لا غيم اعال». و في مقطع آخر: «وامس، عندما رأيت «رغبة مطلقة» عملك الاخير المشترك مع «اندريه فلتير» رأيت للفجر ثديين، وقلت: ذلك تأويل طيب لايامنا ولا اعرف لماذا شعرت كأنني انحني على غيومه ـ اوشوشها: تعقلي في تأويلك هيمني على جنونك الكريم الذي يعلمك الا ترى في صحرائنا غير البحر وربما لهذا كله، ا يفرح الغيم الا باكيا، ولا تأخذ الغيمة معناها الا راحلة».
     

  3. عندما اختبر المتصوفة طاقة الحروف في اعتى التجارب الروحية التي قدموها للكون، كانوا يسكبون لنا المعرفة بمعناها العميق المشغول بالسر، المغطى بمصائر الحبر الذي بدأ من طاقة النقطة (الدائرة في حقيقتها الكونية الذرية المتناهية والمصغرة) المكثفة بدورانها الدائم والعليم بحال العالم، حيث يبدأ الخط من نقطة الى نقطة أخرى، يتعالى وينحنى، مشكلا الحرف كما نراه الآن.
    في هذه الحركة الدائبة ثمة طاقة كونية تسكن الخط، والحرف، وايضا الاشارة أو الرمز،
    و تجربة الحلاج الذي مارس فعل الرموز، واعتمل بطاقتها الخلاقة في "الطواسين" تحديداً، وهو يختبرها من طس إلى آخر، كما يؤكد لنا كلامه عن دقة اشتغاله الذي ينبغي ان يحاوره القادر على فهمه كما يعبر:" من لم يقف على اشارتنا لم ترشده عبارتنا" والاشاره لديه هي "ما يخفى عن المتكلم كشفه بالعبارة ".
    لقد اجتاحت التجربة الصوفية تاريخنا العربي بما قدمته من ذخائر لا تحد، فتوحات وكشوفات شعرية وفلسفية روحانيه في ابعاد شديدة الشفافية، ولكن لافتقادنا ذات المختبر على الصعيد اللوني اي الرسم التشكيلي بفعل تحريمنا المبكر والمدمر لموهبة التصوير، وأيضا لاستناد الفنانيين التشكيليين العرب على استيراد القوالب الفنية الجامدة، الخالية من الطاقة التعبيرية، حيث الاحساس اللوني لا يتحقق من وضع اللون على اللوحة كما يفعل البعض، لكن بتخليق ذبذبات الروح ونقلها عبر الاصابع الى الفرشاة ثم اللون ثم اللوحة، من خلال هبوب الأنفاس، ورعشة التجربة الانسانية على اللوحة، من خلال تحليق الألم على هيئة ارتدادات متعددة تخترق البياض وتمزج الألوان دون أن يدري الفنان ماذا يحدث له.حيث يرحل في سرايا الغيبه.. ممرات الذاكره، لا يعرف أينه.
    ندرة من التجارب الفنية استطاعت استضافة التجربة الصوفية بروحانيه راهنة، بمعنى اجتراح طريقها المتفرد في تقصي اسئلتها الوجودية وفيوضاتها النوارنية، دون تقليد أو استضافة شكلية كما يحدث كثيراً، حيث يعتقد البعض ان محاورة النص الصوفي وخط المقاطع الشعرية للمتصوفة على اللوحة، ومزجها بالزيوت يكفي لإطلاق الطاقة التعبيرية الروحانية، في حين ما يحدث هو صنع قناع يعلق على الحائط لا حواس له.
    الرموز هي اشارات ترتسم بذاتها كما الكلمات تتدافع كأجنحة من ريش على الورق حين الشعر.
    الرموز محمولات طاقية معبرة ومهمة في تجربة "هيمت"، وفيها يكمن سر العلاج للآخر، علاج فريد قائم على المواجهة، حيث انتهى من مواجهة ذاته، في مشغله الوحيد، وحيداً واللوحة كما يصف لنا تجربته مع الشاعر الياباني الراحل "كوتارو جينازومي" في معرضه "زهور من السماء"،يقول هيمت انه حتي بعد موت جينازومي فان لقائي به لم يتوقف، وانني في كل مرة كنت أرسم بها تلهمني قصائده، وكأن الشاعر ينظر بعيني ليقول لي أنت لست وحدك في هذا المشروع... بل علي العكس فكأن يده تمسك بيدي وأنا أرسم. وان حبي لانهاء هذا المعرض كأني اعبر عن وفائي لصديقي الشاعر ولليابان ولزهورها التي وجدت طريقها من سماء اليابان الي لوحاتي.
     

  4. كان "هيمت" يرسم في كركوك، مستهاماً بانحناءات الرموز دون أن يتقصى عمق المقصد آنذاك، أستهل حضور المسارات الخطية كيفما حدثت على اللوحة، دون تدخل، كان يرتهن لعفوية الشحنة المعنوية، طاقة استبصار اللحظة الراهنة الابداعية، لم يكن يشتغل على طباعة الحياة كما يراها، أو رسم الطبيعة، أو ليصنع بضاعة لأستهلاك النقد والنظر، بل كان منذ البدء يقتفي نوراً لا يراه الا في نقطة الرمز الممتدة نحوه قبل أن ينتهي.
    في كتابه"تمائم العزلة" كتب رفيقه الشاعر "فاروق يوسف" الذي رافق تجربته الفنية: يبدأ الرسم لدى هيمت محمد علي من لحظة الهام بصري، ليفارقها، ولا ينتهي اليها، ذلك لأن هذا الرسام لا يلتفت الى الوراء، لانه يدرك ان ما علق بروحه من الطبيعة يكفي يده غذاء تلتهمه في الاوقات العصية، ففي رحلته الاولى التي اوصلته الى اليابان شعر وكأنه يعيش حلما مستعادا، ذلك لان مرجل الطبيعة اعاده الى رسومه، وكأنه كان يحلم بهذه الطبيعة قبل ان يلتقيها".
    وصف دقيق لما نشعر به حين نرى تجربته، ثمة استعادة باطنية لمحمول وجودي تمثل له منذ البدء، منذ أول أعمالة حتى الآن، استشعر بفرادة لديه تتمثل في كون لوحاته تتعاقب على الوجود لا لتوهمنا بانها تشكل تجربة متواصلة، أو بكونها تتطور لديه من لوحة الى أخرى، هذا لا يحدث، ما يحدث هو وحدة اللوحة ذاتها، دون أن تتواصل مع مايليها، لسبب بسيط، يكمن في اعتمادها على تخليق معنى غير موجود من قبل وغير قابل للإستعادة، المعنى هنا ليس القيمي او المفاهيمي بل الحسي ، الطاقي، ذاك الغير قابل للتعريف بل الاحساس به، ثمة مس تشعر به أمام اللوحة، ينتابك حزن أو شجن أو غرابة لا تقدر على مغادرتها، ثمة ذبذبات مست خلاياك واشتعلت على وعيك السري، لتتصاعد في تضميد رؤاياك لهذه الحياة.
    في اليابان تماهت رؤاه بالمرموزات اليابانية هناك، وبدأ يفسر سر هيامه بذات النحت المرموز في لوحاته، حيث تتضاد الألوان وتتناغم مفترشة أرضيه كريمة لنهضة اشاراته وهي تتوازع اللوحة، سخيه بتفجرات البراعم حيث هبوب الحس على متلقي يراقب ما يراه، ويقشعر برجفة الحواس.
     

  5. اضرمت النار في الحجر
    بيدين من رماد
    فظل يخفق كقلب شبح
    سدت بوجهه السبل
    هكذا كانت فجوة الذاكره هذه على الجدار المشتعل
    كفسحة ضوء لرحيل أبدي
    برفقة سرية.
    من الجدارايات التى رافقت استنادها على حائط غاليري الرواق في البحرين، جدارية نارية اشتغل الفنان "هيمت" على حفر الحديد حيث أودعه رموزه، انحناءات روحه، الحفر كان عبر مشعل ناري، قام بصهر الفراغات، استجلب من الدقة الشيء الكثير بحيث لا تفقد الرموز هندستها الكونية، بين الأحمر الذي هو الضوء الخلفي للجدارية، وبين الأسود الذي يمثل مساحة الجدارية ذاتها المسندة على زاوية ما خارج المعرض، شاهقة بسوادها الناري قرب المدخل، حيث من يرتقي العتبات يصادفها وهو يهم بالدخول، يمر على طائفة من الرموز المشتعلة بفعل الحرارة المنبثة من حمرة الضوء وهو يتغلغل في فراغاتها، ثم يشاهد كيف تتجاور الحمم اللونية وتلتحم عناصر الكون: النار، الهواء، الحديد بتمثله الترابي المحتد، وأخيرا الماء الذي يختلج في سريان الدم وتبخره على هيئة نبض الموهبة، وطاقتها الفذه في التعبير وحقن العمل الفني بسرمدية وخلود ناتج من نحت الروح.
    كلما مررت أمام تلك الجدارية النارية، رحت استرجع الاحساس الأول الذي أدلهم بي، ونفاذ كل رمز بتأويله المتعدد، حيث المعنى لا يستدل عليه، لأنه ما يشبه همس الذاكرة التي لا تنسى الا لتتذكر ما حدث لها.

    لم يتعلم الفنان "هيمت" الرسم في الهيئات الأكاديمية، بل أتقن همس الحياة، وعرف كيف يترجم عذاباتها بصرخة اللون، مزج الخسارات، تدوين رائحة المنافي الذي عرفها، رافق الفنان العراقي حسن آل شاكر الذي كتب عنه:" كان وقتئذ يرسم بعفوية مثلما يتحدث، او يعبر عن نفسه، كاد يبدو «نقيا»، سواء برسومه نصف التشخيصية، او ببراءته وشجاعته من اجل ان يمثل ذاته كانسان، فحسب، واحببت فيه ذلك كله."

فوزية السندي

 

 Designed and hosted by ENANA.COM