إيقاعات مكثفة لذاكرة بصرية مشتتة

العراقي هيمت محمد علي في (أجيال)



يشتغل الفنان العراقي هَيْمَت محمد علي في لوحته على الموضوع الزخرفي كأساس شكلي، منطلقاً من فكرة تتوسط بين الإنتماء الشرقي والتمرد عليه في آن، بين الحفاظ على شكل تراثي والعمل على كسره كل مرة، بحرية كاملة.

الغريب أن الحرية التي يتمتع بها الفنان تتأتى من حذف السلطة الأكاديمية تماماً من العمل الفني، تتأتى من عصامية الفنان الذي تعلم على نفسه، وتلقى دفعاً وتشجيعاً من الفنان العراقي الرائد شاكر حسن آل سعيد الذي رحل منذ شهور قليلة وسط جو عراقي لا يستطيع أن يلتقط أنفاسه ليكرم مبدعيه.

عصامية هيمت جعلته لا يتورع عن استخدامات لونية مفاجئة وفجة وقوية وحامية وباردة، فاللون بالنسبة إليه يمكن أن يعشق أي لون آخر، بعيداً عن الذوق اللوني العام، وقريباً من الخصوصية الكردية الشعبية في اختيار الألوان الفولكلورية الصادمة.
 

 

عصامية

عصامية هيمت لا تعني أنه لم ينجح في تضمين لوحته لعباً تقنياً، خصوصاً في ما قدم من شفافية حذقة، ناتجة عن تعاقب الطبقات اللونية التي يستخدمها في لوحته. ففي لوحته، على ما في الألوان من قوة وسماكة، تتراءى للناظر طبقات يركّبها الفنان فوق بعضها، بحيث يحذف ما يحذف من الطبقات التأسيسية ويُظهر ما يظهر. وعلى هذا الأساس تتحول اللوحة الزخرفية عنده إلى مادة مكثفة، يضيف فيها الفنان ما يشاء من مساحات تجريدية حرة ومن ضربات وتجريحات لونية.
يستخدم هيمت الكثير من الأشكال والمفردات في قماشته اللونية، فهو يخطط وينقط ويرسم أشكالاً هندسية متنوعة، إلى المزيد من تعريقات الأرابسك وتوريقاته، لكنه لا يعلق في التقليد، أو في الأشكال المكررة المستعادة، ذلك أن الحرية التي ينطلق منها في تدبير مساحاته، تجعله منحازاً إلى كسر السياق الهندسي وعدم الإلتزام بأي نظام أو توازن، وبعيداً عن تكرار تجاربه بين لوحة وأخرى.
 


الحنين إلى الديار

كل هذه المواقف تبدو كأنها تأتي عفو خاطر، وببراءة تامة، وعفوية فالتة من أي قيد. أكثر من ذلك فالفنان ينطلق من روح متمردة. بل إنه يتمرد على منفاه الباريسي، فيرسم من ذاكرة الديار الكردية في كركوك، ومن ذاكرة بصرية قد تعود إلى طفولة ساذجة وعفوية. ولأن الذاكرة تتحرك في اللوحة، نرى أحياناً أطياف أشكال، أو بقايا رؤى، أو ملامح مشتتة لا تكتمل.

وبالفعل فإن الصورة التي يقدمها الفنان لا تكتمل، لأنها تنطلق من تهويمات العزلة، ومن مكان بعيد عن مرجع الذاكرة، فالأعمال المقدمة محترفية بامتياز، لا تستنجد بالصور الموجودة في الخارج، لا تستعين بالوجوه أو بالطبيعة للتعبير عن تهويمات وإيقاعات حياة المنفى، فتبقى تعبيريته عالقة تحت ظلال ذاتية بحتة، تشبه الهلوسات أحياناً، وهي في أي حال مسكونة بالأحزان والقلق.

وما هو لافت أن اللوحة الزخرفية التي يقدمها الفنان، لا تبقى صامتة أو تنحكم بالجمود الهندسي الزخرفي، إنما نجد في بعض اللوحات تحريكاً للشكل الهندسي، إذ قد نجده يتماوج أو يميل أو يسيل أو يتكسر. وتنجح هذه اللعبة لدى هيمت لأنها تضيف عنصراً تعبيرياً جديداً ورؤية جديدة للشكل الزخرفي.

هذا التطويع البصري التعبيري في لوحته، هو الذي ساهم في تحقيق انعطافته، في اتجاه رسم القصائد وتصوير شعريتها وعوالمها المكثفة، كما هي الحال في منشوراته التي استلهم فيها أشعار شعراء كبار أمثال: اندريه فيلتير، زينو بيانو، برنار نويل، أدونيس، غوتارو تزونيزومي, ميشال بوتور، قاسم حداد وآخرين.

 

السفير - 2004/06/02

 

 Designed and hosted by ENANA.COM