العيش في الرسم من جهة كونه بداهة عيش
 

  1. لأنها يجب أن تحضر فان الرسوم غالبا ما تتخفي وراء سبب يستدعيها، إنها تبعث في خيال صانعها (وهو في الحقيقة خادمها المطيع) قوة للبحث عن ذريعة ما، هي في مثابة أصبع متوتر يظل يشير إليها. لا ترغب الرسوم في أن تكون ضيفا مباغتا في حفل صامت، بل أنها تحلم في الذهاب تلقائيا إلى الموقع الذي هيئ لها في حفل يزيده حضورها صخبا. بهذا المعني لا تحرث الرسوم إلا أرضا سبقتها إليها التكهنات، هناك دائما حكاية، فكرة، واقعة، تكون بمثابة معضلة (شخصية أو عامة، لا فرق)، يحضر الرسم ليضع لها حلا بما يملك من خيال بصري. نادرة تلك اللحظات التي عاشها الرسم بعيدا عن تأويل متحذلق يري في تمرد الرسامين نوعا من الفوضى التي تمليها حيرة من يبحث عن خلاص من واحدة من تلك المعضلات المفترضة.

    كان الرسم دائما ولا يزال (علي الرغم من تعرضه اليوم للانقراض) مبعوثا للإبلاغ، هناك نشيد لا يكتمل إلا بحضوره، هناك أجزاء من الحكاية يمليها خفق جناحيه. ظل الرسم الخالص تهمة، يرد عليها المتورطون فيه بنظريات تظهر انحيازها القلق إلى العقل، وهي نظريات صدقها الكثيرون فتحولت (بعيدا عن رغبة مخترعيها) إلى أيقونات مدرسية. هناك رغبة عارمة في تقنين الطيش والمجازفة، وهو ما يجعلنا ننظر إلى الدراسات التي تخصصت بدراسة رسائل (فنسنت فان كوخ) بشيء ضروري من الريبة، فهي تنطوي علي قسوة مبالغ فيها في تعريف الشقاء الإنساني، الذي حرص فنسنت علي أن يودعه قلب المشهد الطبيعي. وإذا ما كان فنسنت غير مسؤول عما انتهت إليه تأويلات الأيادي الخشنة التي امتدت إلى رسائله الاستفهامية المعذبة، فان كاندنسكي وبول كليه قد ارتكبا خطأ فادحا بسعيهما إلى استدراج فنهما الحر إلى قفص الدرس.

    إن من يقرأ (الروحي في الفن) لكاندنسكي لن يتمكن أبدا من سماع الموسيقي التي ترتجلها أشكال ذلك الرسام، ومن يقرأ دروس كليه في الرسم فان كثيرا من لذة العيش تفوته وهو ينظر إلى رسوم ذلك العبقري، وهي رسوم تقدس اللامعنى الذي تنطوي عليه فكرة الوجود. لقد حاول الرسام العراقي الراحل شاكر حسن آل سعيد أن يحصر رسومه في زاوية الدرس الصوفي غير أنه أخفق حين خانته عبقرية تلك الرسوم. وكما أري فان الرسام العراقي هيمت وهو الذي أقام معارض في غير مدينة عربية ليكشف عن تماهيه مع رسوم آل سعيد هو نموذج للرسام المضاد الذي يعلي من شأن الرسم، من جهة كونه انشغالا خالصا، وصفة سحرية، طلسما لا يزيده التفسير العقلي إلا غموضا ولا يفتح أبوابه إلا لعين بريئة قدمت من أجل التعرف عليه.

     

  2. الصورة بالنسبة لهيمت هي فكرة العيش الوحيدة. مصباحه الذي يتقدمه في ليل المعني. لا يهتم هيمت كثيرا في أن يكون صانع أفكار، (هناك أفكار في كل منعطف وهناك صور تجسد تلك الأفكار أيضا). عزلته في محترفه الباريسي تنجده بنوع مختلف من الصور، وهي صور لا انتهاء لها، حيث ينتج بعضها البعض الآخر، ذلك لأنها مستلهمة من تقنية الحكايات الشرقية، هناك حيث تتشظى الليلة الواحدة لتكون ليالي، مثل شهرزاد يتخفي هيمت برسومه، وسيلة لخلاصه الشخصي غير أن تلك الرسوم لا ترهقنا بوجوده، ذلك لأن الرسام يحرص علي خفته التي هي دعوة للنسيان. وهو في ذلك إنما يقلد مثاله، (لا أحد يتذكر شهرزاد في محنتها الوجودية وهو يقرأ كتاب الليالي).

    استخرج هيمت تقنيات رسومه من فم شهرزاد، فصارت حكاياته الملونة لا تستغيث بالمعني ولا تسعي إليه ولا تسمح له بأن يستدرجها إلى قفصه. صارت موعظة رسومه تنحاز إلى أناقة مستحبة يسعي إلى اكتسابها أي معني متحرر من غلواء وجوده، لكي تبقي أناقة غير متاحة إلا لمن اجتاز عتبة المعني في بحثه عن الجمال. هذا الرسام يروي في استغراق. سلسلة رسومه تذكرني بسلسلة الرسام الأمريكي وليام دي كوننغ (نساء)، لا من جهة الشكل ولكن من جهة ما تمثله اللوحة بالنسبة إلى اللوحة التي تليها أو التي تسبقها. ما من لوحة في إمكانها أن تشكل وحدها كيانا مغلقا، فالأبواب المفتوحة علي جهتين تسمح للإيقاعات الشكلية بالمرور من والي كل لوحة. ومع ذلك ففي كل لوحة هناك تمرد شكلي عميق لا ندركه جيدا لأننا ألفناه. فهيمت يرعي أشكاله بقسوة وصرامة يكشف عنهما توتر تلك الأشكال.

     

  3. من أين يستخرج هيمت أشكاله؟ يده التي تسبق عينه إلى تلك الأشكال إنما تفعل ما يمليه عليها خيال صورة لم تعمر طويلا في ذاكرته، صورة تشظت مثل مرآة ولن تستعيد حالتها الأصلية. لذلك فانه يراها كما يفعل الحالم، مزيج قصاصات تتداخل مادتها الواقعية بالوهم الذي تصنعه تلاقيتها فيما بينها وتقاطع ظلالها. يده تتبع نغما خفيا تطلقه وحدات تتكرر كما لو أن كل واحدة منها تطلع من عدم خاص بها، لتعود إليه. يري هيمت إلى وحداته تلك كونها جزءاً فالتا من عالم كان قد عاش بين ثنياته يوما ما، وهو إذ يعود إلى ذلك العالم عن طريق الرسم، فانه لا يسعي إلى ترميمه بقدر ما يحاول التقاط شيء من فتنته التي يخونها الوصف. ولهذا فان ما يستخرجه هيمت من ذلك العالم ليس أكثر من أثر خطواته التائهة الذاهبة هي الأخرى إلى غيابها. يده المشفقة علي تلك اللقى تلقي بعناية علي الورق أشكالا هي مزيج من ظلال وعطور وأشباح وأصوات، مزيج غامض تشترك كل الحواس في تأليفه من غير أن تدعي امتلاكه، ذلك لأنه ينتمي إلى عالمه المفتون ببراءته، حيث تتفتق عبقرية رؤاه في كل لحظة عن فكرة رخاء بصري مفاجئ. لشدة صفائها تبدو رسوم هيمت كما لو أنها لم تغادر بعد مصدرها الخيالي، ولم تشتبك بأية عين ملوثة بالنظر أو بأية إذن ملوثة بالسمع. لا تجرد العالم من شكلانيته بل هي تستحضره مثل الموسيقي مجردا. رسوم تهبنا جمالا يغالي في انتسابه إلى فكرة الجمال، من جهة توقه إلى التسامي الزاهد بكل معني.

    لا غرابة في أن يتخذ هيمت موقفا متقشفا إزاء كل ما يراه، فالقليل الذي لديه يكفي للارتقاء بالروح، من غير المغامرة في الكشف عن خباياها. رسوم هيمت تمارس سحرها من غير أن تعتذر، فهي لا تقدم أسبابا، تسبقها إلى عين المتلقي شحنة خيال، تجعل السطوح تشف عما تخبئه. كما لو أن هيمت يمد يده إلى حجر مبلل بمياه الينابيع ليحرره من صلابته. كيف يمكننا أن نفقه رغبة الرسام في أن يعيد الأشياء إلى حالتها الأولي، حيث لا تضاد؟ قد يفهم الانسجام الذي ينسج هيمت خيوطه بروية وصبر وابتهال خطأ في عالم تغلب عليه نزعة التضادات الذهنية والتصويرية الخشنة، وهو عالم الرسم الذي هيمن عليه الفرنسي جان دوبوفيه منذ ستينات القرن الماضي. ما ينبغي أن ندركه أن هيمت يقيم في منطقة أخري، جنة اخترعها لتكون مأوي لشقائه الأبدي الذي وهبه ذات يوم فكرة أن يكون رساما. هل يرغب هيمت في أن يقول لنا: هذا هو الرسم. معرفتي به تؤكد أنه لا يقيم وزنا لمثل هذه الجملة، فهي بالنسبة إليه سؤال أكثر مما هي جواب. سؤال يزيده التأمل فيه حزنا ورقة وورعا. فهذا الرسام الذي لا يحترف الرسم بل يعيشه، لا يخشي شيئا بقدر ما يخشي الرسم.

فاروق يوسف
(العراق /السويد)
القدس العربي
2006/06/12

 Designed and hosted by ENANA.COM