لمحة من فن هيمت محمد علي
 

حينما شاهدت اول اعمال فنية لهيمت في بغداد ادركت لاول وهلة اني ازاء فنان يحاول ان يبدأ طريق المعرفة الفنية بكل ثقة وأنات، كان وقتئذ يرسم بعقوبة مثلما يحدث او يعبر عن نفسه ... كأن يبدو نقيا سواء برسومه نصف التشخيصية او ببراءته وشجاعته ومن اجل ان يمثل ذاته كأنسان فحسب.
واحببت فيه ذلك كله ... وتمر الايام ويستمر هيمت في اختباره... وكان كمن يكافح المستحيل في دأبه.. انه يدرك حقا انه يرسم بالفطرة .. ولكنه مع ذلك ليس فطريا. لقد اكتشف اذن نفسه بالصدفة وهذا لم يرشده اليه أي مرشد سوى حريته من اجل المعرفة ... وهي حرية لا يتعلمها المرء ابدا لانها مجبولة بكيانه. ثم تعركه الايام، يستمر على الرسم، يتعاون مع جماعته الفنية، يسافر، ينفرد، يهجر ذويه ، يتقرب، يتعرض لشتى المحن، كل ذلك وهو لا ينفك يرسم ويرسم، لقد وجد فيه ما كان يضيعه أي كائن.
وهكذا ظهرت لديه منذ البداية نزعته التعبيرية من اجل ادراك كنه هذا الوجود، فهو اذن يبدأ بذاته نفسها لكن تلك الذات لم تكن مع ذلك لتنه الوحدانية، أي انه سوف لا يجدها عندما يجد الآخر، وهكذا ظلت تلازمه اهمية ان يرسم هذا الآخر. وهذا ما ظهر بوضوح في رسومه الاولى. كانت مليئة بتفاصيل صغيرة ذات منحنى هندس او زخرفي الى جانب تفاصيل اخرى عفوية. فالآخر بوجه انساني اراد له ان يمثل العالم انه (انسانه الداخلي) هو والآخر معا، وسيرافقه هذا الانسان النموذج فيما بعد في كل تطوراته ..... العين الحزينة والدموع الشفافة ... كل شيء سيبدو نابضا بالحزن كل العالم سيبدو شاكيا. فكأنه في آخر الامر هو ذلك العالم.
وسرعان ما يترجم لنا هذه الوحدة ( بين الأنا والآخر) في اعماله التالية ففي عام 7891 مثلا تظهر لديه بوادر جديدة في استهام الخط والشفافية بين السطوح المترامية على بعضها البعض من خلال التكوينات الحروفية والاوفاقية ( من كلمة وفق) الا انه سوف يتجاوزها الى آفاق اخرى. لقد كان كمن يحاول ان يستخلص الزبدة من اللبن ... ذلك ان الوجوه والحروف والجداول والقلوب وبعض الابجديات الموسيقية والاعداد... الخ ستكون الطبقة العلوية التي تكشف عن تكوينات تحتانية محيطية. وهي بالتالي سوف تنتهي الى علامات سرعان ما تتجذر في جوهر العمل العني كمحاولة منه لتوحيد المرئي المتصور .... ومنذ عام 8891 اتجه هيمت الى نوع من التبسيط في تحوير. بل اختزال العلامات. تنتهي به الى ما يمثل (دوال) مختارة من المحيط الذهني والمرئي مثل الخطوط المتوازية والازهار والدوائر والجداول وكل ما سيمثل (الشفافية) بين المدركات، وهي بدورها ستؤلف (الدلالة) العامة (للاثر الفني). وحينئذ سينتهي عند هذا الحد الى علاقات جديدة بين العالم الداخلي للوحة والعالم الخارجي بحيث يصبح لديه هذا البحث ( الروحي / المادي) معا مجالا لاستيعاب نوع من النسخ الموسيقي، العلاماتي او ما هو مسموع (داخليا) بما هو مرئي تشكيليا . وهو سوف تسوده البساطة في تنغيم المرئيات الى نوع من الايقاع المختلط بالميلودي. ولا شك ان اقتصار الالوان على لون واحد او لونين سيجعل من الخط دوره الاساس في تصميد الوجد الروحي للمرئي وهو في حالة تجاذب مع كل من المسموع والمرئي والمصور.

.... تلك هي غاية ما يحاول هيمت محمد علي ان يحققه في عمله الفني.

هيمت محمد علي
يعتبر هيمت محمد علي في مطلع سيرته الفنية ظاهرة فريدة من نوعها. فهو لم يتعلم الرسم في مدرسة ما ولم يمارسه الا من خلال خبرته الشخصية. مع ذلك فإن رسومه تبدو حافلة بكل معطيات الفن المعاصر. فاذا علمنا ان هيمت نشأ في عائلة فلاحية مدقعة الحال. وفي قرية نائية من قرى شمال العراق، وانه اعتاد منذ طفولته ان يجد كل ما حوله غارقا في البؤس ولصيقا بالارض ادركنا مغزى حبه للمحيط الطبقي. في صباه عاش هيمت في مدينة كركو. وكان يعتاد الفة الاشياء ما حوله، الطين.. الطابوق، الاصباغ، مراعي الحيوانات، وزخارف السجاد المصنوع باليد.. الخ. وهكذا ظل على صلة وثيقة لما بينه وبين بيئته الطفولية الاولى: الارض وما بينه وبين احلام الطفولة وثوابتا السيكلوجية الفطرة الانسانية وبعد هذا كله فإن رؤيته الفنية التي اراد ان ينوه بها جاءت في مقدمة الدليل لمعرضه الاول كما يلي: " الفن ليس مجرد عكس فوتوغرافي في ( صيرورته) و ( ديناميكيته9 و ( غموضه) فبدلا من اقدم لك (شيئا جاهزا) قدمت ( اجزاء) من هذا الشيء". هذه النزعة التجريبية اذن تظل بالنسبة له صميم الموقف الثقافي الذي يقفه. انه يحاول ان يعالج (الواقع) في فئة ولكنه يريد ايضا ان (يمثل له ) بنموذج فحسب. تلك هي هوية هيمت علي في بداية حياته الفنية والتي اتوقع لها مستقبلا زاهرا..
لقد ظل بابلو بيكاسو حتى نهاية عمره ( حيويا) حين احتفظ بنشاطه حتى اخر لحظة من حياته... كان شابا حقا. متفتق الذهن يحاول في كل لحظة ان يطور تصوره التشكيلي عن معنى (الانسان) .. حقا ان بيكاسو لم يهرم ابدا. نعم لقد قطع شوطا بعيدا من حيث عمره الزمني ولكنه ظل يتجاوز عمره الزمني من خلال (عمره الفني) وانه ظل فتيا في حيويته. قبل عام تقريبا كنت قد قدمت للجمهور احد شباب الفنانين هو الرسام (هيمت محمد علي) انجز معرضه الاول بكل حماس فغرس رسوما استخدم فيها الحرف والكتابة وبوسائل وخامات التقطها من محيطه ... وهيمت ابن فلاح. ذاق الامرين في حياته اليومية ويذوقها باستمرار. كان عاملا وجنديا وكان قرويا من شمال العراق. لم يتعلم الرسم في مدرسة او معهد فني ولكنه تعلمه من حياة ومن ملاحظته لرسوم الكتب المطبوعة ومن تلك النقاط التي يلتقي فيها ( الفكر) مع ( الوجود) ان هيمت بين ( الاثر)و ( الفكر) فنان جدير بالاحترام ولا نستطيع اغفاله. لانه لا يعيش لا يلجأ الى أي (رصيد ) ثقافي رسمي بقدر ما يعتمد على (جرأته) في ان يتجاوز وضعه ومستواه الفني باستمرار. ومع اني اراه بين الحين والحين منصرفا عن فنه الى حياته اليومية الرتيبة. فإني على يقين بأنه لن يخلد الى الكسل ابدا. انه ليس من اولئك الفنانين الذي يتحصنون وراء (مسؤوليا فردية) اخترعوها لانفسهم لكيما يبررون كسلهم. كأن يقول احدهم : اني انتظر ان اتمثل واقعي اولا ثم اعبر عنه او شيئا من هذا القبيل.
 

شاكر حسن آل سعيد

 Designed and hosted by ENANA.COM