هيمت محمد علي واحتدام الخطوط


يبدأ الفنان هيمت محمد علي بخط، ربما لا على التعيين، او ربما في مركز اللوحة الفارغة. وتتوالى الخطوط، موحية لاشكال مثيرة فاعلية اللاوعي لدى الفنان، وفاعلية المخيلة، والذائقة اللونية، دون تخل عن الضبط، وتبني الاشكال من الداخل، خطوطا قصيرة مستقيمة، متكسرة، متعرجة، واحيانا منحنية، تحكم في جو نفسي رهيف ينتشر فضاء غريب، يشع من داخل الاشكال وتنافذ الاصباغ، هذا الاحتدام، داخل اللوحة ، يستمر، حتى بعد انتهاء اللوحة، بل تبقى الاشكال مشروع بناء جديد، وايحاءات جديدة، تبعا لمخيلتنا، نحن المشاهدين.

لا مركز في اللوحة- اينما عملت المخيلة على التشخيص، فكأنها تعمل في المركز، هكذا نستطيع ان نتجول بنظرنا في اللوحة، نكتشف مراكز ، تشكل لوحة متكاملة، حين نبتعد عنها قليلا. وطوال عمل الفنان على لوحته، ثمة استغراق صوفي. وكل استغراق يتيح للاوعي ان يتسرب الى عملية التشخيص العياني، يقترح رموزه ( وهي لدى الفنان هيمت رموز طبيعية) بكيثر من البراءة. تنعدم الرموز الثقافية تماما، وتأخذ الرموز الطبيعية الدور الاساسي الاهم: ان الطبيعة تشكل مصدرا انفعاليا لكل تشخيصات الفنان هيمت.

ولانه يتعامل مع لوحته بتقتير شديد، فإن هذا التقتير يفرض الكثير من الانضباط على العناصر الحاشدة: لن يتجلى عن حركة اليد والذائقة اللونية الا ما هو من لحم البيئة، والبيئة هنا هي شمال العراق، وبسبب هذا التفرد البيئي المؤثر، لن نتداعى الى امر غريب عن بيئة الفنان الشمالية: الالوان تحيلنا الى تلك الارياف ذات الروابي والمرتفعات الجبلية المغطاة بزروع داكنة. ومن الافاق الفافية بغموض في اللوحة، ومن خلال تشابك اوراق الصنوبر، نسمع الناي الحزين، حين اقام معرضا له في اليابان، كتب عنه احد النقاد اليابانيين مقالة تحت عنوانه: " الاحتفال الحزين". وقد يبدو هذا العنوان محتويا على تضاد لفظي.

لكن هل بإمكاننا استنباط جملة منطقية تصف فضاء اعمال هيمت؟ هل نقترح الوجد الصوفي فضاء؟ معظم الاشكال تأتي نتيجة الحك بقلم لا حبر فيه، على سطح من الالوان: انها لا تعوم فوق هذا الوسط، بل تنشب فيه، كما تحفر الاشياء العزيزة في الذاكرة: كثرة من الاشكال المشذبة والمختزلة بفعل اللاوعي، دون ان تفقد دلالاتها الحادة: فالقمر هلال دائما، والزهرة دائرة وخطوط، وورقة الصنوبر مثلثات وساق، والوجه البشري خطوط كفافية.

كل شيء، كما هو في الذاكرة واللاوعي، يعود الى طرازه البدئي. وهيمت يكرر ثيماته، مع تغييرات طفيفة، ومستجدات قليلة، لا تغير الفضاء العام للوحة: انه لا يطفر من منطقة الى اخرى، بل يحافظ بكثير من العناد على لجاجته في توكيد القليل الذي ينبثق باقتصاد من اللاوعي، ولا يتجدد الا في الوسط اللوني، لكن هذا الوسط لا يتخلى البتة عن بيئته: ومن هنا ثراؤه، اذا ان الطبيعة غير بخيلة، ما دامت ثمة انواء متغيرة، وشمس متغيرة، واوقات وسماء.. وهاجس انساني مطرد. ان الفنان هيمت محمد علي قد ابهجنا بانتمائه الاصيل، وتعشقه لهذا الانتماء، ببساطته الساحرة وتقتيره الذي تخضع له الفوضى فتتحدد.
 

ســــمير عـــلي
 

 Designed and hosted by ENANA.COM