الحرية في رسومات هيمت محمد علي


هل ثمة حرية داخلية ( ابداعية – فنية) تجاه اشكالات الخارج: حرية يجد المشاهد فيها البعد الجمالي متحققا، على الرغم انها تبدو نزغة فصامية؟ من منطلق النقد الشمولي – بعيدا عن اية مدرسة محددة – تكون الاجابة مشجعة لهذا المنحنى من التجربة. فالفن في مغزاه اشارة لجعل الداخل صدمة على صعيد المعنى، ورؤية – حرية – على المستوى الجمالي. الفنان هيمت محمد علي يستدرج خفاياه: تلك الفضاءات الداخلية المتشابكة، شبه بدائية، بعيدا عن الشكل العقلاني. انه هنا يكاد يحطم الشكل، أي يحطم حدود المفردة الواحدة، لصالح الفضاء بالدرجة الاولى. وقد يبدو هذا الفضاء مضطربا، كثيرا او قليلا.

الا ان اعادة تأمل التجربة كاملة، او دراسة اللوحة باعتبارها جزءا من بحث جمالي يجعلنا في صميم عالم مشحون بالاسرار: انه علام الحلم فهو يرسم باخضاع الجانب العقلي لحرية الرسام – الشاعر.. وينقلها الى المشاهد بعيد عن أي جسر مقرر مسبقا. ففي كل جزء كما في الموسيقى صلة خفية بعالم الداخل الذات وهي تتوقد، وذلك مواجهة العالم الخارجي الصلب او المتحجر. ليس هنا أي سكون، جميع الاشياء تتحرك بفعل الخطوط، من ناحية، وبفعل مفاجآت اللون التعبيري عامة – او في الغالب. نحن هنا نستمع لموسيقى تنقلنا الى عالم مجهول- هكذا يؤكد الفنان ان نواياه ليست وليدة الخاطر، او الخبرة الاكاديمية، بل انها تنقلنا الى ازمنة سحيقة، مجهولة، لكنها مع ذلك تنشط الذاكرة بالحدس وليس بالمعرفة، كان هيمت محمد علي يؤكد مقولة ان الفن لا يتصالح مع العرفة، بل مع الشعر او المؤسيقى! ان تامل تداخل الخطوط، وجعل اللوحة شكلا بلا خلفية وخلق تناقضات لونية حادة، يجعل الرؤية هي الفن.

لا يعني هذا القلب المعادلة. او اجراء اية مصالحة بينهما. بل اعتقد ان حريته قادته الى تخليص الفن من المحاكاة او من الاشكال المعدة سلفا. هل غامر الفنان بهذا الاسلوب ، كنزعة في الحادثة؟ كلا! فنحن نتذكر منذ (كاندنسكي) مغزى الروحي في الفن. ونتذكر ايفا (بول كلي) و (ميرو) وعشرات الرسامين الاخرين الذين تحرروا من جسودهم في الرسم. الا ان الفنان الذي تأملهم، وتمثل تجاربهم يمتلك حسه الشرقي بل وشجاعته – مغامرته المحسوبة – ازاء عمله فالحساسية التي يرسم بها قل ان نجدها عند سواه، بالمعنى الذي مارسه الفنان بالخط والالوان والرموز، بايجاز قام الفنان بتحطيم الشكل لصالح الشكل العفوي على رغم المفاجآت - الصدمات – المنقذة بعناية. أي انه صنع لا شلكه ان جاز التعبير. وقد يعتقد المشاهد العادي ان رسوماته تنتمي الى عالم الطفولة، وهو محق الى حدما، في الموقف. فالفنان يحلم ان يمد جسرا من الذاكرة س نحو المشاهد: الخارج، وخلق معادلة بجعل الممكن مستحيلا. ثمة زمن في عالم الفنان وهنا يمكن موقفه يجعل الرسم براءة: عودة الى الطفول وخيالا يجعلنا وكأن التصوير اكذوبة : هو ذا موقفه دهشة تستدرجنا الى بعض الجمال، وتحرير مرئي من حدوده. او من سكونه المعلن ، من غير تحديد :أي نحن تجاه صورة تنتظر من خلال بحث جاد بعد ان اسست، اسسها وخطابها الجمالي.
 

 

عادل كامل
 

 Designed and hosted by ENANA.COM